
أخبار حميدي
القاص الكويتي حميدي حمود "ظلّي" تعددية الخطاب والدلالة
| أحمد المؤذّن | تكبير الخط |
اقتنع الفيلسوف سقراط بأن العلم الحقيقي هو العلم بالنفس من أجل تقويمها.. وهذا يحيلنا الى إشكالية السؤال الفلسفي الخالد "من أنا"؟
ومع بداية مجموعة "ظلّي" القصصية للقاص العربي الكويتي حميدي حمود المكونة من مائة وثلاث صفحات وتسعة عشر نصاً، صادرة عن دار الفارابي ــ بيروت، الطبعة الأولى 2007م، تكتشف كقارئ مدى صدق القاص وهو يبحث في هذه الإشكالية الفلسفية.. بالطبع نحن هنا نبغي من هذه الديباجة الافتتاحية تأويل "ظلّي" على منحى فلسفي نتلمس الطريق في قراءتنا المجموعة من حيث قام مبدعها بهندسة زواياها الفنية وهو يبحث عن الإنسان في مختلف حالاته ضمن منظومة سردية شيقة مترابطة بخطوط ظاهرة وخفية.
} رؤية مجنونة...
أزمان كثيرة رأيتها في لحظات قصيرة تحتشد في عينيه، زمن الطفولة، الدراسة، الرحلات، الشقاوة، الغربة، الوحدة، الوظيفة، والزواج. حين تمعنت جيدا في حالته وتوهانه، أيقنت بأنه لم يعد يبالي بوجودي وكأنه لم يعد ذلك الصديق الذي رافقني... واستمع إلي![ صفحة .14
وحده تيار الحياة الذي يفجر مثل هذه المفاجآت.. فالقصة تصدم في مضمونها ما نعرف عن معنى الصداقة.
لحظة فاصلة حينما تعري الحقيقة وجهها، القاص يختار التوقيت المناسب ويغرق "بطله" في "مونولوج" داخلي مختنق بالحقيقة النارية المتأخرة تبرز برأسها من عنق الزجاجة، مرادف آخر لحالة السفر التي كشفت ان الصديق "ب" نادم لأنه أضاع سنوات عمره في أمور تافهة!
القصة لم تذهب بعيدا في تفاصيلها لكنما القاص هنا يضطر إلى زرع الشوك أمامنا في هذه القصة الصادمة بغية اكتشاف مفاجآت الحياة أو.. ربما يريد تعرية الأشياء وتطامننا نحوها ما هو إلا وهم لحظة انقشاع الضبابية التي تخفيه، نعرف كم كنا مغلولي الإرادة عندما صدقنا البريق الخادع ونحاول الفرار منه بالانتحار!
فلسفيا ــ البحث عن معنى الحياة بعد السقوط والخسارة في فهم مغزاها، هنا تماما نرى ان حميدي حمود" قدم أدبا جميلاً.. ]تتمثل في الأدب الأفكار الفلسفية حية نابضة معبرة عما يشغل الفكر الإنساني كله في سبيل معرفة مصائره في هذه الحياة. وهذه الصلة الحق بين الفلسفة والأدب وفنونه[ صفحة 12 "النقد الأدبي الحديث ــ د.محمد غنيمي هلال ــ مصر". بطل القصة يبحث عن "الأنا" بين ركام المفاجأة وما مغزى وجودها بعد انكشاف عقدة القصة.. يحيلنا هذا المنحى الى سؤال مهم، نحن كبشر هل بالفعل ورثنا تركة شقاء أبينا "آدم" عندما أخرجه إبليس من نعيم الجنة؟
الحياة الأرضية هل أصابتنا بأمراضها فأصبحنا ننتقم من أنفسنا عندما ننهزم في الاختبارات الحياتية ونعجز عن ترجمة الأشياء؟
القارئ هنا سيجد نفسه أسيرا في فراغ وفوضى الحالة التي عصفت بالبطل من دون ان تكون مشاعر هذا القارئ منحازة أو متعاطفة بالضرورة، فهنا مثلث مكون من: الذكرى + الصدمة + التلاشي، يمزج "حميدي" معادلته الرياضية في قصة "تلتبس دلاليا ضمن منطقة حائرة تنطوي على صوت السارد يتأرجح حضوره بشكل متخف في إطار الذكرى وأحيانا مناسبا مع توقد "المونولوج" النفسي بالمزيد من بوح الوجع الذي يقاوم حالة الكبت.
} استعداد:
يخبرها عن حبه لها كل يوم، يرسل رسائل الشوق وخطط المستقبل القريب لهاتفها النقال. وكان أسعد يوم له حينما تقدم لخطبتها وتمت الموافقة.
هي كذلك كانت سعيدة به، وجدت فيه فارس أحلامها المنتظر. رتبا كل شيء تقريبا، لم يدعا شاردة أو واردة إلا وناقشاها واتفقا عليها.[ صفحة .16
تيار الصدمة يسيطر على مجريات الحدث مرة أخرى، ويتضح انه مقنع جدا في سياق القصة ان يلاقي بطل القصة حتفه عند خيمة عرس بسبب طلق ناري طائش!
فيبدو هنا جلياً ان القاص ينتهج في كتابته الأسلوب الواقعي غير مكترث بأي وصف تأثيثي لجو القصة التي تختزل الحدث في حدوده المنطقية، فالحالة القدرية مرتبطة بالإنسان في الحياة التي تمارس سطوة البتر أو الإخصاء الجبري نتيجة التوقيت الخاطئ، لسنا هنا طبعا في محل اختيار لأن القدر يختار ضحاياه محصلة مشبعة بالوجع في هذه القصة يقرأ من خلالها القاص حساسية الأشياء ويستنطق مكوناتها من رحم الواقع المعاش، هذه هنا صرخة إدانة قدمتها القصة بشكل بسيط ورائع، إلا ان جزئية بسيطة ضمن الحدث برأيي أخلت بالبناء العام للقصة وهي..
]في المساء وهو عائد بسيارته من زيارة صديق في المستشفى[.
صفحة 16،. هنا أعتقد بأنه حدث كسر للإيقاع العام، فهذه الجزئية أحدثت إرباكا للقصة وخلقت حاجزاً زمنيا ومكانيا، كان بالإمكان تجاوزه كمطب مادام الاثنان اتفقا على خطط المستقبل والحب، ليس صعبا ان نرسم ملابسات "الحدث" موت البطل ضمن توقيت واحد وهو عندما اتفق الحبيبان على تقاسم الحلم وفي أثناء عودة البطل تنفجر المأساة.
منطقيا هذا العاشق يتلهف الى اتمام الحلم، وهو في حالة توقد عاطفي وان مجرد رؤيته لخيمة العرس، يٌعد محرضا سببيا، لو لم يدخل على المشهد مؤشر آخر لاكتمال البناء بلا تشوه يذكر ولكن لا بأس.. حداثة تجربة الكتابة تكتنف في داخلها بعض الكبوات، إذا ما أحسن القاص التعامل معها وقام بتطوير أدواته الفنية فسوف يشتد عوده وينجح في الاختبار.
} تطورات أسئلة...
]بعد أن كبرت وأصبحت شاباً يافعاً، تطورت أسئلتي، صارت أكثر تحديدا ودقة[ صفحة .99
ان تشيد هيكلا قصصيا تحسن تفجير شحنته الدلالية من الداخل لتتشظى في اتجاهات ملغومة يغلب عليها عنصر الدهشة التلقائية، تسربت من النص من دون ترهل فني، هنا يكبر النص مع القاص، فالضمير السارد تجسد بقوة في القصة أعلاه وهذا يعني تداخلا جميلا نثير على أساسه السؤال التالي: هل الذات حاضرة في النص وتعيد استحضار نزيف ذاكرتها المعذبة؟
]أصبحت الذات حاضرة في النص حضور التفاعل الجمالي حيث تكون الذات مفترضة في كل نص بحسب سياقات مختلفة تفرزها البنية العميقة للنص التي من شأنها ان تفسح المجال للإسقاطات التي تحددها القراءة الافتراضية ذات الطابع الانتاجي[ "صورة المرأة بين الدلال والدلالة ــ د.عبدالقادر فيدوح ــ مجلة المعرفة ــ العدد 456 أيلول 2001م ــ سورية".
إن إشكالية هذا الحضور لا تقتصر على الذات، نتحدث عن الحالة القمعية التي تغلف حياة رجل الشارع العربي، إما ان يتربى في ظل أنظمة دكتاتورية تكمم حريته المعنوية بالمراسيم والفرمانات أو في ظل ديمقراطية "صورية مفصلة على مقاس الرئيس، لذلك.. من يكثر من الأسئلة يكون قد اقترف المعصية الموجبة للعقاب. بطل القصة ينتهي به المطاف الى عتمة السجن وهي نتيجة منطقية تؤسس لمفهوم الاستبداد السياسي الذي يغلب على الأنظمة العربية الحاكمة حتى الديمقراطية منها تضيق ذرعا بنخبها السياسية والمثقفة فتضطرها الى اختيار منافيها أو طمرها في معتقلاتها وفي كلا الحالين رمزية السجن واحدة ان انت أكثرت من الأسئلة فسوف تجابه لأنك تبحث عن نار الحقيقة لتهتدي بها ولكن هدايتها لك حريق للآخر.
هو إذن منحى فلسفي آخر تجسده ]ظلّي[ تلتفت الى ظروف وملابسات محيطها العربي، تنكأ جروحا هنا بغية تشخيص الداء وعلينا أن نتحمل وجع العملية من دون تخدير موضعي مادام "حميدي حمود" عارفا خارطة الطريق الصحيح نحو العلاج.
} التنفيس...
]نهض من السرير، دفعه بيده بعيداً، انهال عليه بالسبّ والشتم المتقطع وسعاله الحاد. خرج من دون أن يأخذ الوصفة الطبية، الطبيب لم ينبس بكلمة، بل اكتفى بالجلوس على كرسيه مطفئاً غيظه بتدخين سيجارة[.
صفحة .21
أبرزت هذه القصة مدى اتساع هوة القدوة التي نبحث عنها فيما يتعلق بالعادات السلبية التي ينشر وباؤها في المجتمعات كالتدخين، وضع المشكلة في نطاق قصة ضمن حدث مركز بشكل ذكي ينم عن حساسية جميلة يمارسها القاص في نصوصه يواجه بها مجتمعه الغارق في حمى التناقضات المختلفة، لهي لفتة ملتزمة أخلاقيا بالوقوف ضد ما يحصل من تبلد في المشاعر، أصبحنا مع ممارسة التدخين عمليا نشتري متعة زائلة ونبيع تاج الصحة، فما أغرب هذه الدلالة الكارثية التي نتنفسها مع وهم المتعة الدخانية "حميدي حمود" فتح أمامنا باب التوعية المخلصة في وقت أصبحت فيه الشيشة تصلك الى محل سكنك "بالدلفري ــ التوصيل المجاني" ومع فلتر صحي وآمن كما تؤكد الإعلانات التجارية التي قد لا تكترث بها وزارات الصحة في بلداننا العربية؟!
} تهنئة واقعية...
]أخبرني بأنه قد تغير كلياً وأصبح شخصا آخر، صار يعرف أمور دينية أكثر، التزم أداء الصلوات في المسجد في وقتها مع الجماعة، كون صداقات جديدة مع شباب متدينين، أطلق لحيته فأصبحت طويلة، لم تعد تهمة الأمور القديمة مثل السفر للمتعة المحرمة، السهر مع الرفاق حتى ساعات الصباح الباكر، مغامرات الحب والغرام الكاذبة، كلها أضحت تفاهات[ صفحة .69
كيف يفكر الإرهابي عندما يبحث عن أعضاء جدد يشاركونه التفكير المتطرف ولهجة الكراهية؟ هذا النص "الومضة" ان جازت التسمية من موقعها الصحيح ينجح في خلق توتر فني قياسه الزمني سريع، سرعة المحادثة الهاتفية التي جرت مع صديق منحرف أخلاقيا، فجأة أصبح ناسكا في محراب العبادة والطهارة!
امتازت هذه القصة عن غيرها بخطاب جاد يبغي محاربة التطرف الديني وتعرية كل أكاذيبه التي تتستر بالجهاد في سبيل الله، القاص يأخذ على عاتقه تحمل مسئوليته ككاتب يرصد بؤر التطرف ويعالجها بشجاعة في هذا القالب الأدبي فقد بين لنا مدى زيف الصورة التي تغلق وجه الإرهابي، تدينه مجرد قناع يخفي نار الكراهية التي تشتعل بداخله حيث فقد موازينه القيمية الصحيحة وتمت أدلجة تفكيره ليتحول حطبا في المعارك الطالبانية والقاعدية الخاسرة.
طبعا.. قضاء الوقت مع ]ظلّي[ وتصفح عوالمها والسفر في أماكنها والاحتكاك الافتراضي بشخوصها هو دليل على غنى التجربة الحياتية لكاتبها الشاب الذي يختزن في ذاكرته ووجدانه الكثير من الخبرات التي لا شك بأنها تنهض بأعباء الكتابة في وقت مبكر، وهو ما يجعلني بلا تردد أصفق لهذا التألق الأدبي الشفيف بالفعل أمتعني وآثرت ترجمته هنا بهذا العرض المتمهل والمتواضع وكلي أمل في زيادة ورطتك أخي "حميدي حمود" ورطة جميلة ها أنت خطبت ودها وفضضت بكارتها وآنسك دفئها مغامرا في عوالمها الخصيبة.. أعنى بها "الكتابة" طبعا حيث تستهوينا جمراً بين أصابعنا لا نتوب عن غوايتها اللذيدة.
} حميدي حمود...
* استاذ في كلية الدراسات التكنولوجية/ الكويت.
* حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة برونيل في لندن/ المملكة المتحدة 2005م.
* نُشر له العديد من النصوص في الصحافة المحلية.
* شارك في أمسية قصصية في رابطة الأدباء الكويتية بتاريخ 25 ابريل 2007م.
* يكتب زاوية أسبوعية (عين) في جريدة الرأي الكويتية.
الرابط