
عين
بنك رد الجميل
أثناء قراءتي رواية "الظاهر" للكاتب العالمي الشهير باولو كويلهو والتي صدرت عن دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع وقام بترجمتها خالد الجبيلي طبعة أولى 2006 وخرجت في 334 صفحة استوقفتني هذه العبارة " بنك ردّ الجميل "0
ولكي تعرفوا السبب عليكم أن تشاركونني أولا قراءة هذا المقطع من الرواية والذي يدور بين شخصيتين في الرواية ويشرح فيه أحدهما للآخر المقصود بالعبارة السابقة:0
ملحوظة: مقالة نشرت لي في عمودي الإسبوعي(عين) في جريدة الراي الكويتية بتاريخ 7 أغسطس 2007
"ما هو بنك ردّ الجميل هذا؟ "
"إنك تعرفه جيدا. والجميع يعرفونه".
"ربما, ومع ذلك فلم أفهم تماما ما تقصد قوله".
"كان أول من ذكره هو أحد الكتـّاب الأمريكيين. إنه أقوى بنك في العالم, وتجده في كلّ مجال من مجالات الحياة".
"نعم, لكني قادم من بلد لا توجد فيه تقاليد أدبية".
"إنها الأفضال و الخدمات التي أستطيع أن أقدمها لأي شخص؟".
"هذا لا يهمّ. لأعطيك مثالا على ذلك: أعرف أنك كاتب واعد, و أنه سيصبح لك شأن كبير ذات يوم. أعرف هذا لأني كنت ذات يوم صادقا ومستقلا وطموحا مثلك أيضا. ولم أعد أملك الطاقة التي كنت أمتلكها في الماضي, لكني أريد أن أساعدك لأني لا أستطيع أو لا أريد أن أتوقف. فأنا لا أحلم بالتقاعد, وما أزال أحلم بالكفاح الساحر وهو الحياة, والقوة, والمجد.0
" بدأت أودع في حسابك - لا ودائع نقدية, بل اتصالات وعلاقات. لقد قدّمت إلى فلان وفلان من الناس, رتـّبت بعض الصفقات, ما دامت قانونية. تعرف أنك تدين لي بشيء, لكني لم أطلب منك شيئا مقابل ذلك".0
"ثم, وذات يوم...".
"تماما. سأطلب منك ذات يوم أن تسدي لي معروفا, وبالطبع يمكنك أن ترفض, لكنك تعرف أنك مدين لي. تفعل ما أطلبه منك, واستمر في مساعدتك, ويرى أناس آخرون أنك شخص مخلص وكريم ولطيف لذلك فهم يودعون في حسابك أيضا - دائما في شكل اتصالات وعلاقات, لأن هذا العالم مكوّن من العلاقات ولا شيء آخر. وسيطلبون منك هم أيضا أن تسدي لهم معروفا ذات يوم, ويجب عليك أن تلبي ما يطلبه منك الأشخاص الذين قدموا لك مساعدة, ومع مرور الزمن تتوسع علاقاتك وتتشعب وتنتشر في أنحاء العالم, وتتعرف إلى كلّ من تحتاج لأن تتعرف عليه, وسيزداد تأثيرك قوة".0
"هل يمكنني أن أرفض ما تطلبه مني".
"يمكنك ذلك. إذ إن بنك ردّ الجميل استثمار محفوف بالخطر, مثل أيّ بنك آخر. فإذا رفضت أن تسدي لي المعروف الذي طلبته منك, لأنك أصبحت تظن أني ساعدتك لأنك كنت تستحق المساعدة, لأنك الأفضل, وأنه يجب على الجميع أن يعترفوا بموهبتك تلقائيا, جيد, أقول لك شكرا جزيلا وأطلب من شخص آخر كنت قد أودعت في حسابه ودائع مختلفة أيضا, لكن منذ تلك اللحظة سيعرف الجميع, دون أن يتعين عليّ أن أقول كلمة واحدة, بأنه لا يمكن الوثوق بك.0
" وعندها لن تبلغ إلا إلى نصف ما بلغته, وبالتأكيد لن تكبر إلى الحد الذي كنت تطمح إليه. وفي نقطة محددة ستبدأ حياتك في الانحدار, وستبلغ منتصف الطريق, ولن تبلغ الطريق إلى منتهاه, وستكون نصف سعيد ونصف حزين, وسيعتريك الإحباط ولن تحقق ما كنت تصبو إليه. لن تكون باردا ولا ساخنا, بل فاترا, وكما يقول أحد الرسل في الكتاب المقدس: "لا طعم للأشياء الفاترة".0
إلى هنا وينتهي المقطع... وتبدأ الحقيقة المرة لهذا البنك والذي نراه جليا ومتفشيا أيضا في عالمنا العربي وخصوصا الأدبي منه حيث لا وجود للمساعدة المجانية ولا حتى بمقدور الموهبة وحيدة أن تقف في وجه عملاء هذا البنك الذين باستطاعتهم وعن طريق أرصدتهم وحساباتهم - علاقاتهم واتصالاتهم - أن يحولوا صاحبها ليكون فاترا.0
وكأن الكاتب هنا يقدم النصيحة للكتـّاب الشباب و أيضا لمن أصبحوا في طي النسيان بأن يقوموا بالاستثمار في هذا البنك.0
ما رأيكم؟ هل ستستثمرون؟ ولماذا؟
*ملاحظة: عنوان الرواية بالإنجليزية هو The Zahir
ومضة (ع)0
تخيل لو أنك على حافة جبل شاهق جدا و أن الريح شديدة جدا فالمؤكد أنك سوف تتمنى أن تكون الرياح في وجهك.0