
ق.ق.ج
فضول
جالسا في زاويتي المفضلة, كالعادة وحيدا, أسلي نفسي بالقراءة التي أتلذذ بها كتلذذي بارتشاف قهوتي المحببة.
أحلام تحملني عاليا لألامس المزن, هموم تخسف بي في غياهب الضياع, كل ذلك وأكثر عايشته من خلال قراءة ما بين دفتي الرواية, و بين إسقاط بعض ما فيها على واقعي غير المطمئن.
جميل أن تتفاعل وتنجرف وراء كاتب مهووس في الأدب, يطلق لمخيلتك العنان دون قيود أو حدود.
هل للإبداع حدود؟ هل للأدب قيود؟ وهل للألم طعم آخر؟
كثيرا ما يختلط علي الأمر, فتجدني أجيب عن السؤال بسؤال آخر, وتعتري وجهي ملامح طفل عوقب على فعل من دون سابق إنذار.
النادل, كان يعرفني كزبون دائم ومخلص, كل مره كان يبتسم في وجهي وهو يقدم القهوة, وكنت أرد عليه بابتسامة مساوية لها بالمقدار ومعاكسة بالاتجاه.
ذلك اليوم كنت كعادتي, غير أن النادل لم يكن كذلك, فلم يبتسم لي !!
لماذا أهتم بابتسامة مصطنعة من قبل شخص, لقمة عيشه تحتم عليه فعل ذلك ؟
حاولت أن أشغل نفسي بشيء آخر, قلبت ورقة أخرى من الرواية, أعدت قراءتها مرة تلو مرة, لكن لا فائدة, فعقلي قد تجمد هناك.
أطبقت الرواية, أزحت كوب القهوة نصف الممتلئ بعيدا, وشرعت بالنهوض عازما على فك لغز تلك الابتسامة المفقودة.
خيل إلي أني سمعت من يهتف باسم بطل الرواية التي أقرأها ( دون فالكر ) صاحب المغامرات البوليسية المجنونة! التفاتة واحدة كانت كفيلة بقتله و قتل من يهتف باسمه.
مضيت في سعيي وراء معرفة الحقيقة, دنوت من مكان استراحة عمال المقهى فلم أره بينهم !!!
سألت عنه فأتاني الرد بأنه قد خرج من الباب الخلفي توا معللا ذلك لهم بحاجته إلى التقاط هواء أكثر نقاءبعيدا عن تبجح بعض الزبائن.
كان مقرفصا متكئا بظهره على الحائط واضعا إحدى يديه على جبهته, كأن شيئا قد أصابه! وبيده الأخرى ورقة, لا لا, لم تكن ورقة, كانت صورة, نعم صورة, غير أني لم أستطع رؤية ملامحها.
حين لاحظ أن هناك من يراقبه تظاهر بعدم المبالاة, بيد أن يده التي تحمل الصورة قد تكورت على شكل قبضة مزجت كل معالم وتفاصيل ما كان بين أصابعها.
لم يرقني هذا التصرف, ولا عجب في ذلك, فالفضول كان هو محركي منذ البدء, غير أني لم أبد له عدم رضاي, فاقتربت أكثر, وجلست إلى جانبه على الأرض مقرفصا من دون الاكتراث لمن سيشاهدني بهذه الوضعية غير اللائقة بمكانة شخص مثلي, فلقد تعلمت من جدي مقولته الشهيرة : "لكي تكون مسموعا يا بني يجب أن تكون مستمعا جيدا, ولكي تستمع جيدا يجب أن تنزل إلى الأرض".
حينذاك لم أكن أعيِ تماما ما قصده جدي بهذا الكلام, إلى أن رأيته في مشهد تطبيقي مع أحد طلبته الذين يطلق عليهم لفظ ( أولادي ).
أخرجت من جيبي علبة السجائر, فتحتها ومددتها إليه, غير أنه أومأ برأسه رافضا, هنا لاحت الفرصة لقطع ذلك الصمت و التحدث:
- طبعا طبعا, فأنت لم تخرج هنا إلا للهواء النقي. و ابتسمت
- سيدي, أنظر حولك, ألا ترى كمية التلوث المحيطة بنا? قالها بنبرة بائسة.
- أمممم معك حق, أنا لا أؤمن بمقولة أن هناك خروجا لطلب الهواء النقي, وخصوصا في هذا الوقت العاج بكل ما هو ملوث.
- كله يهون ما لم نكن نحن الملوثين من الداخل. قالها دون أن ينظر إلي!
- ماذا? " ملوثين من الداخل? " ماذا تقصد؟ قلتها بنبرة حادة.
- .........................................
أزمع على النهوض وفي عينيه الكثير من البوح, وخيل إلي أني لمحت دمعة قد علقت في مقلته لم يزدنييقينا بوجودها غير إشاحته بوجهه سريعا وبعيدا عني معتذرا عن تماديه بالكلام.
اتجه ناحية حاوية كبيرة للقمامة كانت مقابلة لنا وألقى ما كان يخفيه.
" أتراه لاحظ متابعتي له؟ لماذا رمى الصورة في الحاوية؟ و الأهم من هذا وذاك هل سيتوقف فضولي عند هذا الحد؟ "
لم يبدد شرودي هذا غير تربيتة على كتفي ملقيا وداعه بابتسامة مصطنعة - هكذا قرأتها - ثم اختفى.
ظللت واقفا حائرا, لا أدري أي القرارين سوف أمضي فيه. كان لا بد من الاستعانة بها, أخرجت من جيبي قطعة نقدية, ألقيتها في الهواء وعيني تحرسها, فكان قرار المضي قدما في معرفة حقيقة الصورة هو........... الخاسر.
تمتمت بحنق:
لاااااااا, أريد أن أعرف, الفضول سوف يقتلني, أجابني صوت داخلي "لكنك ارتضيت بما سيجلبه لك القدر ولم يجبرك أحد على ذلك".
رددت:
القدر؟ القدر هو الذي جلبني منذ البداية فلماذا إذن التوقف الآن؟
"نعم القدر هو الذي جلبك في البداية و هو أيضا الذي يريدك أن تقف عند هذا الحد الآن" ) الصوت الداخلي ذاته ).
صحت:
لكن لماذا الآن?
.......................؟
كان مستوى الفضول لدي قد بلغ ذروته, ولا أستطيع التحمل أكثر من ذلك, القدر لن يمنعني مما أريد, ولا زلت أذكر كلام جدي ( نحن من يكتب القدر لا العكس ).
حانقا رميت قطعة النقود بعيدا وعقدت العزم على المضي قدما في مشوار بدايته كانت اختفاء ابتسامة معتادة ونهايته! أممممم هذا بالضبط ما أنا على يقين بأنه على بعد خطوات مني وبأنه ما سوف أكتشفه عندما أخرج الصورة من الحاوية.
كانت كبيرة جدا ومليئة بالقاذورات, أففففف لا أدري كيف أقنعت نفسي بفكرة القفز داخلها !!! اعتدت أن أكون كثير الوساوس في مثل هذه الأمور و أتذكر موقفا جمعنيبأحد زملائي من دكاترة علم النفس أكد لي فيه يومذاكبأنني مصاب بما يسمى بــ ( الوسواس القهري ) و ذلك بعدما رآني أغسل يديّ بالصابون ثانية لمجرد أنني لم أكن مرتاحا إلى غسلهما في المرة الأولى! كثيرا ما يحدث هذا معي, لكن الآن و في هذه المرة تحديدا يبدو أن هناك قوى خفية كامنة تدفعني إلى تصغير هذا الأمر مقارنة بما سوف أحققه من إرضاء و إشباع لفضولي.
داخل الحاوية ولوهلة, اعتقدت بأني كمن يبحث عن إبرة في كومة قش, غير أن هذا الاعتقاد مع مضي الدقائق بدأ يكبر ويكبر لأغدو كمن يبحث عن إبرة في حقل كله قش.
خيبة الأمل و حقيقة الفشل أضحيا كالمرض الذي بدأ يتفشى في جسد مريض مازال يقاوم وهو منهك القوى يحدوه فقط عطف ربه.
لم أعرف كم مضى من الوقت عندما توقفت, و كل ما أعرفه أنني توقفت لأمرين, الأول كي ألتقط أنفاسي بعد جهد مضن و الآخر بسبب معاودة الوسواس القهري لي ثانية والذي أمرني بتكرار البحث في المكان نفسه الذي اعتقدت أني قد انتهيت منه. سحقا لهذا الوسواس.
لم أكن أتصور أن أمرا كهذا سيكون بهذا التعقيد وهذه المشقة !!
هممت بالخروج من الحاوية وذلك بوضع الأكياس والصناديق الموجودة داخلها بعضها فوق بعض مكونا هرما للصعود و لكن وبينما أنا أقوم بذلك سمعت وقع أقدام تدنو من الخارج فتجمدت مكاني وتوقفت عما كنت أقوم به وطأطأت رأسي حابسا أنفاسي و دقات قلبي – كمن لو كان باستطاعته ذلك - و أرهفت السمع, توقفت الأقدام قرب الحاوية,لم يعد يفصلها عني غير جدارها, الذي لو زال لزالت معه هيبتي في نظر صاحب الأقدام أيا يكن, وما هي إلا ثوان حتى رأيت كيسا طائرا يحط وراء ظهري ببضعة ( سنتيمترات ).
أمعنت النظر و حبست صرخة كادت أن تنفجر:
يااااااه ما هذا !!! كأني أرى ضالتي بجانب ذلك الكيس ! أهو القدر أيضا ؟ هذا لا يهم, ما يهم الآن هو أني وصلت لما أصبو إليه و دنوت كثيرا من كشف سر ذلك النادل.
بعد أن اطمأنيت إلى أن صاحب الأقدام قد عاد أدراجه من حيث أتى, أزحت الكيس عن طريقي و التقطت الصورة المتكورة, وشرعت في محاولة إعادتها إلى وضعها المنبسط بعناية شديدة و ذلك خوفا من تمزقها وضياع معالمها و من ثم ضياع معالمي.
رويدا رويدا بدأت تتكشف الصورة وما تحويه لي.
( وجه بائس لطفلة جميلة تحتضن دمية منزوعة الرأس ), تساءلت:
أهذا كل ما هنالك? أهذا يستحق أن أكابد كل ذلك العناء؟
انتابني الفضول أكثر. حاولت أن أجد شيئا غير تلك الطفلة الحزينة على دميتها, بحثت خلف الصورة فلم أجد غير منظومة رقمية تتكون من ثمانية أرقام ( 28042003 ), ولأنني بارع في لغة الأرقام وفك طلاسمها, تمعنت فيها أكثر محاولا أن أجد لها تفسيرا منطقيا متناسيا تماما أين أنا ولماذا لم أخرج من هذه الحاوية إلى الآن وقد حصلت على مرادي!!!
التفسير الوحيد الذي خرجت به هو أن هذه الأرقام لا تمثل غير تاريخ الثامن والعشرين من أبريل لعام 2003 , أي قبل سنة من الآن?
يااااااه, اليوم يصادف مرور سنة كاملة على التقاطها !!!
و هطلت الأسئلة:
هل هي ابنته؟ أممممم, لابد أنها كذلك, ولكن كيف يلقي بصورة ابنته في حاوية النفايات ؟!! الأمر يزداد سوءا, وكيف لا, وقد ازداد الفضول لدي.
ثم ما علاقة الصورة بما قاله ؟ ( ملوثين من الداخل ).
لن أسكت ولابد من أن أقطع الشك باليقين, سوف أتوجه إليه مباشرة, وشخصيا,سوف أطرح عليه كل تلك الأسئلة, كان هذا هو الحل الذي توصلت إليه, وشرعت بتنفيذه.
وأنا أهم بالقفز خارجا, سمعت صوت طلقة نارية آتيا من داخل المقهى. هرعت مسرعا تجاه الصوت, ذهلت من هول ما رأيت, كان ذلك النادل مكوما على الأرض بلا حراك ودم غزير يحيط برأسه, إحدى يديه ممسكة بمسدس والأخرى بورقة, حوله رفاقه و قد أصيبوا بنوبة بكاء وأحدهم قد هرع طلبا للنجدة, زبائن المقهى في حالة ذعر شديد, بينما مسؤول العاملين في المقهى يحاول تهدئتهم و قد أمرهم بالخروج بهدوء من دون الاكتراث بدفع ثمن طلباتهم التي أصبحت مجانا كما قال!
أردت أن أعرف ما الذي حدث? ما سر المسدس في يده وما سر الورقة أيضا؟ غير أني أ ُمرت بالخروج كبقية الزبائن.
لست أنا وحدي....
أنتم أيضا؟